ابن تيمية
43
مجموعة الفتاوى
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } كَانَ هَذَا مُنَاسِباً لِمَا تَقَدَّمَ مُؤْتَلِفاً مَعَهُ : أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتهمْ إنَّمَا خَلَقْتهمْ لِعِبَادَتِي مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا رِزْقاً وَلَا طَعَاماً . فَإِذَا قِيلَ : لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا الْمُؤْمِنِينَ كَانَ هَذَا مُنَاقِضاً لِمَا تَقَدَّمَ يَعْنِي فِي السُّورَةِ وَصَارَ هَذَا كَالْعُذْرِ لِمَنْ لَا يَعْبُدُهُ مِمَّنْ ذَمَّهُ اللَّهُ وَوَبَّخَهُ وَغَايَتُهُ يَقُولُ : أَنْتَ لَمْ تَخْلُقْنِي لِعِبَادَتِك وَطَاعَتِك وَلَوْ خَلَقْتَنِي لَهَا لَكُنْت عَابِداً وَإِنَّمَا خَلَقْت هَؤُلَاءِ فَقَطْ لِعِبَادَتِك وَأَنَا خَلَقْتَنِي لِأَكْفُرَ بِك وَأُشْرِكَ بِك وَأُكَذِّبَ رُسُلَكَ وَأَعْبُدَ الشَّيْطَانَ وَأُطِيعَهُ وَقَدْ فَعَلْت مَا خَلَقْتَنِي لَهُ كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ مَا خَلَقْتهمْ لَهُ فَلَا ذَنْبَ لِي وَلَا أَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ ؛ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُلْزِمُ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ وَكَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهُمْ إنَّمَا قَالُوا هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ قَالُوا فَلَوْ كَانَ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لَجَعَلَهُمْ مُطِيعِينَ كَمَا جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ . وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ : لَمْ يُرِدْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ إلَّا الطَّاعَةَ ؛ لَكِنَّ هُوَ لَمْ يَجْعَلْ لَا هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ مُطِيعِينَ ؛ بَلْ الْإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ يَأْمُرُ بِهَا الطَّائِفَتَيْنِ فَهَؤُلَاءِ عَبَدُوهُ بِأَنْ أَحْدَثُوا إرَادَتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ وَهَؤُلَاءِ عَصَوْهُ بِأَنْ أَحْدَثُوا إرَادَتَهُمْ وَمَعْصِيَتَهُمْ . وَأُولَئِكَ عَلِمُوا فَسَادَ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إلَّا مَا شَاءَهُ وَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ شَيْءٌ إلَّا بِقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ السَّمْعُ